|
|
|
|
هل قمت بعمل إعادة تهيئة للقرص الصلب لتثبيت نظام ويندوز مجددا على جهاز الكمبيوتر الخاص بك؟ هل اشتريت جهاز كمبيوتر جديد؟ هل انت ممن يحبون تثبيت البرامج المختلفة وتجربتها؟ هل تعاني من بطء جهاز الكمبيوتر لديك؟
|
 |
|
|
|
"دكان شحاتة": العشوائية وأنياب الديمقراطية وأنوثة هيفاء وهبي!
6/30/2009 12:13 am
|
|
القدس العربى –
عندما قدم رائد السينما الواقعية صلاح ابو سيف فيلم "الفتوة" عن تجار الخضار وصراعات السوق وجشع الاحتكار لم يتهمه النقاد بالغلو في تصوير المجتمع المصري على هذه الصورة السلبية.
ولم ير أحدهم فجاجة في ضرب نجم كبير جدا مثل فريد شوقي على قفاه، كذلك لم نقرأ في أرشيف كتاب السينما ونقادها اتهاما ليوسف شاهين الذي جعل من جسد هند رستم فرجة لجمهور الترسو في فيلم "باب الحديد"، وعلى ذكر الجسد والفتنة وهند رستم لم يطالب جمهور السادة المحافظين الحريصين على سمعة مصر وشرف فنها وفنانيها برأس حسن الإمام عندما قدم "الرغبة والغريزة" صريحتان في فيلم الجسد، متخذا من تضاريس وتفاصيل جسم البطلة مادة للإغراء الصارخ على (الأفيشات) التي ملأت واجهات دور العرض السينمائية وشوارع القاهرة والإسكندرية.
لم يحدث إرهابا فكريا ولا احتجاجا على رؤية المخرج ولم تنل سهام التجريح سمعة أي من الأبطال، حتى فيلم "حمام الملاطيلي" الأكثر إباحية في تاريخ السينما المصرية تناوله النقاد تناولا راقيا ولم يلتفتوا لما فيه من عري وجنس وإنما فتشوا عن المعاني المتوارية وراء المشاهد الساخنة، وذلك ان الذين كانوا يكتبون في السينما وعن السينما محترفون وليسوا هواة ينفعلون بالصورة ويعجزون عن تحليل المضمون فتبقى رؤاهم سطحية تعبر عن ضحالة لا عن عمق.
ومن ثم تصدر الأحكام على الأفلام متسرعة ولا تركن الى منطق في التذوق أو الوعي وهذا ما يشكل في حد ذاته أزمة كبرى تؤكد ان الحركة النقدية تعاني من بعض العلل والعاهات وأنها ستصاب بالشلل لو استمر الوضع على ما هو عليه، خاصة أن هناك خلط بين الكتابة النقدية والكتابة الصحافية.
لقد قامت الدنيا ولم تقعد على المخرج خالد يوسف إبان عرض فيلم "حين ميسرة" لأنه سمح لسمية الخشاب أن تخلع ملابسها في غرفة النوم، ولم يلتفت من اثاروا الضجة الخائبة الى السياق الدرامي الوارد فيه المشهد، غير انهم لم يفطنوا الى ما وراء المشاهد من إدانة للعشوائية والنظام المتسبب فيها.
بل ذهب البعض الى انكار وجود عشوائية من الأصل واعتبروا أن المبالغة كانت عنوانا رئيسيا للفيلم والجنس هو السبة السينمائية بعينها، ومضت رياح الخماسين بالصحافة الفنية بعد أن أدت دورها في طمس الحقائق الفنية بعد أن أدت دورها في طمس الحقائق وتكريس الجهل بلغة السينما كأداة نقد جماهيرية شديدة التأثير من واجبها أن تشير الى مواطن الخلل وتضيء حولها حتى يتبين الخبيث من الطيب.
ذهب حين ميسرة وجاء الدور على "دكان شحاتة" ليتكرر السيناريو بحذافيره وتبدأ حملات الهجوم الضارية على المخرج والسيناريست، "خالد يوسف وناصر عبدالرحمن"، وكالعادة لم تسلم البطلة من شذر الطلقات الصحافية النارية.
ولكن مع الاختلاف النسبي بين بطلة الفيلم الأولى سمية الخشاب والبطلة الثانية هيفاء وهبي، التي لا تمثل نموذج الفتاة المصرية الشعبية لأنها ترتدي ملابس محرضة على الفتنة ومثيرة للغرائز على حد قول من كتب، كان هذا هو المفتتح في تبرير الهجوم الصارخ دون التعرض بشكل حقيقي للفيلم وأحداثه وشخصياته وهذا هو مربط الفرس!
نعود إلى أصل الحكاية في السيناريو الذي لا يمكن فصله عن فكرة العشوائيات لكن هذه المرة تتم الإثارة الى عشوائية من نوع آخر بدأت عام "81" وتفاقمت بعد هذا التاريخ، طبقا للدلالة الزمنية الواردة في مقدمة الفيلم، فالبطل "عمرو سعد" أو "شحاتة" يولد يتيما ويأتي به والده محمود حميدة من صعيد مصر في نفس يوم حظر التجوال بعد ساعات من اغتيال الرئيس السادات.
أي أن البطل بدأت مسيرته في الحياة من نقطة فاصلة شهدت خلالها الحياة السياسية تحولات فجة أدت الى هوة شاسعة بين السلطة والشعب، هي ذاتها الهوة بين الشقيق "البطل" وأشقائه صبري فواز ومحمد كريم على خلفية عرقية تمثلت في أنه أخ غير شقيق للأخوين الكبيرين وخلفية تمييز الأب لإبنه شحاتة باعتباره اليتيم والصغير.
وهو المحور الرئيسي الذي ارتكزت عليه الأحداث طوال الفيلم بتداعيات كثيرة ومتنوعة لم تخرج عن الإطار السياسي ولم يكف الكاتب خلالها عن إعمال الإسقاطات التي استخدمها المخرج بدوره استخداما ذكيا ليحافظ على الخطين المتوازيين في الرؤية الدرامية، الخط الاجتماعي الخاص بالحدوتة والخط الآخر بما يحمله من رموز وخلفيات هي اكبر من مجرد سرد مأساة شقيق صغير ظلمه أشقاؤه الكبار، فالأب في العائلة الفقيرة النازحة من صعيد مصر يرمز بحنوة على أولاده وحنانه وشدته الى الرئيس جمال عبدالناصر صاحب المشروع الذي أهدره أولاده الفاسدين وسرقوه ونهبوه بعد وفاته.
والأبناء بمختلف خصالهم وطبائعهم وما يحملونه من طاقات الخير والشر هم الأسرة المصرية الكبيرة التي حاول أن يعدل بينهم الأب والحاكم ولم يفلح، حيث تبددت الثروة ونشطت غرائز الطمع والانتهازية عند بعضهم فتحولوا الى تجار ورأسماليين، فيما بقي الابن الوحيد القابض على جمر الأمانة والاستقامة والشرف والولاء للأب والعائلة يعاني الأمرين ويكابد الأشواق في عزلته بعد أن ألقى به في غياهب السجن واغتصبت حبيبته وتزوجت قسرا من شقيقه الذي تحالفت معه قوى الشر فأعانته على الفساد والاستبداد فصار هو وحليفه الأكبر قوة مركزية كبرى تدير حركة الحياة في المنطقة كلها، وبين التفاصيل الصغيرة والمواقف الاجتماعية تتكشف الأطروحات وتظهر المعاني وتتجلى المفارقات.
فنرى العامة والدهماء والصعاليك وهم يؤدون أدوارا متناقضة فعمرو عبدالجليل حاكم إمبراطورية الميكروباص يتولى مهمة الدعاية للحزب الحاكم في انتخابات مجلس الشعب مقابل أجر ويدلل بلغة سوقية وعبارات غير مترابطة عن جهل القاعدة العريضة التي تردد شعارات رنانة عن الديمقراطية والحرية وحقوق المواطن والمواطنة بلسان (البغبغوات) دون أن تفهم مما تقوله شيئا، وفي نفس الوقت نشاهد على جانب آخر وفي مشهد عظيم المعنى شديد الإيلام طوفان من البشر يهجمون على قطار البضاعة المحمل بالقمح يقطعون عليه طريق السكة الحديد ويستولون على مئات الأطنان من القوت الضروري.
مدفوعين بقوة الفقر والحرمان، وفي ذلك إشارة لانتفاضة الجوع التي أسماها السادات انتفاضة الحرامية، في محاولة للربط بين ما حدث بالأمس ويحدث اليوم من هجمات وانتفاضات متشابهة لها ذات المعنى والتأثير تتولد بفعل إحساس الجماهير بضياع الحقوق وغياب المسؤولية، حتى أن حق العلاج لم يعد مكفولا في ظل عشوائية إدارية وفساد يكشر عن أنيابه ويفترس الفقراء أو يحولهم الى طاقة عدوانية تحرق الأخضر واليابس.
وقد رأينا في الفيلم كيف كانت النهاية مأساوية بعد اغتيال البطل المسالم على يد شقيقه بعدة طلقات نارية، إذ تحركت الجماهير الغاضبة لتأخذ بالثأر فاختلط الحابل بالنابل وأقيمت مذبحة كبرى بعد نفاد الصبر من الصدور وانتهاء مرحلة الهدنة بين الحكومة والشعب والتخلي عن الحذر والتخلص من خرس التواطؤ.
ولم يغفل خالد يوسف بعداً مهماً في سياق طرحه للعشوائية في الداخل والخارج، فقد ألمح الى توغل العدو داخل محيطنا الاجتماعي وسعيد الدؤوب لتدمير كافة المنظومات الاحتوائية المستقرة في بلادنا، حيث تحويل الفيلا القديمة المملوكة لعبد العزيز مخيون، أحد رموز الرأسمالية الوطنية والممثل لطبقة الإقطاعيين المتصالحين مع ثورة يوليو الى سفارة لدولة الكيان الصهيوني كان إشارة بليغة لاقتراب الخطر منا وتعايشه معنا في غمرة إنشغالنا بأطماعنا الشخصية وتغييبنا بمترفات الحياة اليومية وجعل إهتمامنا ببطولات كرة القدم أقوى وأكبر من قضايانا الوطنية.
أما البطل عمرو سعد "شحاتة" لم يكن سلبيا لكنه كان متسامحا الى حد السذاجة، وهذا ما يمكن أن يؤخذ على الشخصية لأننا لسنة في زمن الأنبياء ولو أن سيدنا يوسف عاد ليعيش بيننا هذا العصر لننتهج نهجا جديدا وواجه أشقاءه بأساليب مختلفة واقتصد بالقطع في مثاليته المفرطة.
أما عن هيفاء وهبي في شخصية "بيسة" فهي تبلور التناقض الذي يقع فيه غالبية الجمهور، حيث يقبل المعترضون على سلوكها ودلالها وأنوثتها الطاغية ملايين النماذج لها في الواقع بينما يرفضون صورتها الدرامية على شاشة السينما لأنها الأوضح في تكوينها وصراحتها ورغباتها وهذه هي الإشكالية فنحن من أنصار الصورة المثالية ولو كانت وهماً وسرابا!
عمرو عبدالجليل موهبة تتمدد خارج الإطار الإقليمي وقريبا سيصبح نجم عابر القارات، وعن عمرو سعد فهو مهدي السينما المنتظر لو حرص على السير بمحاذاة الصديقين خالد يوسف وناصر عبدالرحمن باعتبارهما المكتشفان الحقيقيان لموهبته وعليه إدراك أن خلف كل ممثل عظيم مخرج أعظم وسيناريست موهوب.