فتاوى مباشرة

خصصت دار الافتاء المصرية رقم الخدمة المجاني (107) من داخل مصر للإستعلام عن أي فتوى، حيث يمكن الاتصال علي هذا الرقم وطرح اي تساؤل لديك والحصول على رقم السؤال ثم الاتصال بعد ساعة واحدة وادخال رقم السؤال لسماع الإجابة.

 

سعيد بن المسيب

10/16/2008 2:42 pm 
سعيد بن المسيب

فقيه الفقهاء وسيد التابعين سعيد بن المسيب القرشي الخزومي، ولد لسنتين من خلافة عمر( رضي الله عنه) وقد روي عن عدد من الصحابة وبعض أمهات المؤمنين وكان أعلم الناس بقضايا رسول الله( صلى الله عليه وسلم) وقضاء أبي بكر وعمر( رضي الله عنهما) حتى قال عن نفسه: (ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم )ولا أبو بكر وعمر مني).

وروي عنه كثير من كبار العلماء، ومن أبرز من تلقى العلم عنه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، حتى قال عنه: (جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علما غيره).

وقد لفت تميزه في العلم والفقه نظر بعض الصحابة والتابعين حتى أن عبد الله بن عمر( رضي الله عنهما) وجد رجلا سأله عن مسألة فقال له: إيئت هذا فسله ( يعني سعيدا) ثم أرجع إلي فأخبرني، ففعل ذلك وأخبره، فقال ابن عمر لمن حوله لما أخبر بإجابة سعيد معبرا عن إعجابه بعلمه: ألم أخبركم أنه أحد العلماء، وقال لأصحابه عن سعيد: ( لو رأى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لسره )، وكان يرسل إليه يسأله عن قضايا عمر وأحكامه.

وكان اشتهاره بالعلم وتقدمه فيه قد شاع على ألسنة الناس، وكان الرجل يأتي إلي المدينة المنورة فيسأل عن أفقه أهلها وأعلمهم فيوجه إلي سعيد، ومن ذلك ما روي عن ميمون بن مهران قال: ( أتيت المدينة فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلي سعيد بن المسيب ).

ويقول شهاب بن عباد العصري: (حججت فأتينا المدينة، فسألنا عن أعلم أهلها، قالوا: سعيد).

وقد بلغ من الثقة في علمه وفقهه أنه كان يفتي والصحابة أحياء وقد أعانه على الوصول إلي تلك المنزلة ما كان يتمتع به من حافظة واعية وتفان في تحصيل ألوان المعارف، حتى إنه كان لا ينسى من يلقاه من طلابه فقد حدث عمران بن عبد الله الخزاعي قال: (سألني سعيد بن المسيب فانتسبت له، فقال: لقد جلس أبوك إلي في خلافة معاوية ، ويقول: والله ما أراه مر على أذنه شيء قط إلا وعاه).

كان سعيد رجلا وقورا له هيبة عند مجالسيه فكان يغلب عليه الجد، ولو نظرت إليه لخيل إليك أنك أمام رجل ممسك بموازين الحق والعدل بين يديه، قد تكفل بحراستها والقيام عليها، مدرك لمدى مسئولية الأمانة التي تحملها، فلا يجامل، ولا يغمض عينيه عن شيء لا يراه صحيحا، فيعلن إنكاره له، غير مبال بما يجره عليه ذلك من أذى، ومن أجل ذلك كانت علاقته بالولاة والحكام علاقة يشوبها التوتر والتربص وقد مر عليه أكثر من أربعين سنة لا يرفع الأذان إلا وهو في المسجد ينتظر الصلاة، وكان دائما في الصف الأول ولم يفته الجماعة إلا يوم أن عاقبه والي المدينة وطوف به في طرقات المدينة.

وكان سعيد له تجارة تدر عليه دخلا يكفيه ليعيش عيشة راضية، ولهذا لم يكن يأخذ عطاء من الدولة حجرا على رأيه، وتقييدا لحريته، وكان عنده من يقوم بأمر تجارته، فلا يشغله أمرها عن عبادته وعلمه، وكان يدعو إلي اكتساب المال عن طرقه المشروعة، ليتمكن من صلة الرحم وأداء الأمانة، وصيانة الكرامة، والاستغناء عن الخلق، ومما أثر عنه في ذلك قوله: (لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يعطي منه حقه، ويكف به وجهه عن الناس).

كان سعيد قد تزوج ابنة أبي هريرة، وكانت قد أخذت عن أبيها كثيرا مما رواه عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم)، ويمكن أن نتصور منزلا وأسرة ربتها ابنة أبي هريرة وربها سعيد بن المسيب كيف تمضي الحياة فيه وكيف ينشأ أبناء هذا البيت، إن التاريخ يحدثنا أن سعيد كان له ابن يسمى محمدا ولذلك كانوا ينادونه بـ (أبو محمد ) وأن محمد هذا كان مرجعا في علم الأنساب حتى أن سعيدا كان إذا جاءه من يسأل عن الأنساب أحاله إلي ابنه محمد.

أثر عن سعيد بن المسيب معرفته بكثير من المعارف السائدة في عصره، وإن كانت معرفته بالفقه قد غلبت على ما سواها إلا أن المراجع قد ذكرت له جوانب من العلوم قد شارك فيها، وكان له فيها رأي يرجع إليه، ومن ذلك معرفته بالأخبار والأنساب وكانت العرب تهتم بهذا اللون من المعارف وتحافظ به على أنسابها وأيامها.

روت كتب السير أن سعيد بن المسيب كان ذا مقدرة فائقة على تعبير الرؤى، وقد روى ابن سعد أن سعيدا أخذ علم تعبير الرؤى عن أسماء بنت أبي بكر، وأن ابن سيرين قد أخذ علمه في تعبير الرؤى عن سعيد.

وقد رويت عنه قراءات لبعض الآيات تلقاها العلماء بالقبول ومن الأمثلة على ذلك الآية السادسة من سورة المائدة التي تقول.

{ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} (سورة المائدة) فإن القراءة المشهورة لكلمة ( ليطهركم ) بفتح الطاء وتشديد الهاء، ولكن سعيدا قرأها بتسكين الطاء وفتح الهاء هكذا ( ليطهركم ).

كان سعيد يتحاشى الخوض في تفسير القرآن من باب الورع، وكان لا يقول في القرآن من باب الورع، وكان لا يقول في القرآن إلا إذا جاءت آية أخرى تفسر الآية التي سئل عنها أو ورد بشأنها تفسير عن النبي( صلى الله عليه وسلم)، أو رواية عن صحابي، أو أن يفسر تفسيرا لغويا لبعض الألفاظ، وقد أثر عنه أنه قال: لا أقول في القرآن شيئا.

وقد عاش سعيد حياة طويلة امتدت حتى بلغ الثمانين، ، وتوفى إلي رحمة الله في عام 94 هـ بعد أن قدم القدوة للعلماء وأهل الفتوى في الاعتزاز بالحق.