فتاوى مباشرة

خصصت دار الافتاء المصرية رقم الخدمة المجاني (107) من داخل مصر للإستعلام عن أي فتوى، حيث يمكن الاتصال علي هذا الرقم وطرح اي تساؤل لديك والحصول على رقم السؤال ثم الاتصال بعد ساعة واحدة وادخال رقم السؤال لسماع الإجابة.

 

الليث بن سعد

11/4/2008 7:07 am 
الليث بن سعد

ولد الليث بن سعد في قرية قلقشندة، من قرى مركز طوخ بمحافظة القليوبية على مقربة من عاصمة مصر.

في ليلة النصف من شعبان المكرم من العام الثالث والتسعين للهجرة (93 هـ) والمصريون يعتبرون ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة، وإذن فقد تفاعل أهل الوليد بمقدمه في تلك الليلة، وتفاعل أهل القرية جميعا بهذا القادم الجديد ابن عميد الأُسر الغنية الذي كان يفيض بكرمه على كل من حوله.

ولقد شهد الليث منذ طفولته مظاهر الجور، وبطش الولاة، حتى لقد استقر في نفس الصبي كره للحكم والحكام ثم شهد وهو دون العاشرة عدل الخليفة الرشيد عمر بن عبد العزيز، وصور الرخاء التي عمت مصر، حتى لم يعد فيها من يستحق أن تصرف عليه الزكاة، فنهضت الحكومة بتكاليف زواج الشباب، من مهور ومآدب واحتفالات، لا تفرق في ذلك بين المسلمين وغير المسلمين من أهل الكتاب.

وكانت قلقشندة ككل قرى دلتا النيل، بلدا طيب الهواء، خصب الأرض غنية بالثمرات والخيرات .. تشتهر بجودة الفاكهة. تفتحت عين الصبي منذ وعى الحياة على خضرة الأرض، وانسياب النهر وروعة الحقول والبساتين، والحدائق، وامتلأت رئته الصغيرة بعبق الأزهار، فنشأ يحب الجمال.

ولعله من أجل ذلك عندما شب وتعلم القرآن الكريم وحفظ الحديث، روى أول ما روى من أحاديث: "إن الله جميل يحب الجمال" أكسبته مرائي الجمال في قريته صفاء العقل والذوق والنفس، وحبا للحياة والناس. فما مد بصره قط وهو صغير إلا رأى انفساح الأرض أمامه بألوان الزرع والزهر.

لم يعرف ألم الحاجة طيلة حياته، ولم يمسه قرح من مطالب الدنيا، وعاش ما عاش متمتعا بكل ما أحله الله من متاع في هذه الأرض.

كان أبوه واسع الغنى، يملك في قلقشندة وما حولها ضيعة خصبة، تنتج خير الثمرات من زرع وفاكهة .. لديه المال والبنون، زينة الحياة الدنيا، وكان الأب يدرك أن العلم هو خير ما يزين الرجل العاقل .. وقد نال الأب قسطا من التعليم ولكنه قرر أن يجعل ابنه زينة الحياة الدنيا بحق، فوفر له كل ما يتاح من علوم ذلك الزمان .

حتى إذا كان في مطلع الشباب وقد استوعب كل ما يمكن أن يصل إلى قريته من معرفة، وجهه أبوه إلى الفسطاط ليعلم علمها ويثقف نفسه بمعارفها .. زوده أبوه بكل ما ينبغي أن يتزود به طالب علم يجب أن يتفرغ نهاره وليله للعلم، ولا يشغله عنه شاغل من هموم الحياة والعيش!

واتجه إلى جامع عمرو وهو أول مسجد جامع أنشأه المسلمون في أفريقيا وجامع عمرو منارة للعلم، مازال يشع منها ما درسه فيه أبو ذر الغفاري وعبد الله بن عمرو، وسائر الصحابة الذين جاءوا إلى مصر منذ الفتح الإسلامي، وعلموا الناس أمور الدين وفقهوهم بالقرآن والسنة.

كانت اللغة العربية لم تنتشر في مصر بعد، فاللغة القبطية هي السائدة، وكان الليث يتقن اللغتين العربية لغة الإسلام، والقبطية لغة آبائه الأولين، وكان إلى هذا يتقن اليونانية واللاتينية، وهما من لغات الميراث الحضاري.

وقد أتاح التعرف إلى ميراث علوم الأسلاف، واستيعاب معطيات الحضارة المطروحة على العقل المصري أتاح هذا كله للشاب غنى فريدا في الثقافة.! حتى إذا أحس أنه قوي مكين، عكف على كل الحلقات في جامع عمرو يتلقى التفسير والحديث والفقه.

والطالب الشاب يعكف على حلقات هؤلاء وهؤلاء ليتقن علوم القرآن والحديث، ويعني بأسرار اللغة عناية خاصة فائقة، لأنه يدرك أنها هي الأداء لحسن نصوص القرآن والأحاديث. وفي الحق أنه في بحثه الظامئ عن الحقيقة وأسرار المعرفة، كان قد ضاق بخلافات شيوخ الحلقات. ورأى غلوا في كلا الحزبين.

ورأى الطالب الشاب أن يستقل بالنظر فالمتشددون في التمسك بالنصوص يعتمدون على الآية الكريمة: (ولو ردوه إلى الله والرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) هذا حق.

وأصحاب الرأي يقولون إن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قد اجتهد رأيه فيما ينزل فيه قرآن .. وصحابته قد اجتهدوا في حياته وأقرهم على اجتهادهم . وهذا كله حق أيضا.! فما الغلو إذن في الاقتصار على النص أو الاعتماد على الرأي.!؟

على أن الليث أدرك أن النصوص ليست ظاهرا فحسب .. ليست كلمات .. بل هي روح .. لها دلالات وفحوى وعلل. وإذن فا لذي يتقن اللغة العربية، ويتقن معرفة أسرار بلاغتها حري بأن يفهم النصوص ظاهرها وروحها .. ثم إن الأحاديث النبوية تفسر كثيرا من نصوص القرآن .. وفي السنة تفصيل لما أجمله القرآن .

وتبيان لما خفي منه عن المدارك .. وفهم الأحاديث النبوية يقتضي أيضا فهم أسرار اللغة العربية وروحها .

وليس كل عربي بقادر على إدراك معاني الأحاديث، أو فهم ما أنزله الله بلسان عربي مبين. فهذا الأمر يستلزم إتقانا خاصا وتذوقا خالصا للغة.

من أجل ذلك عكف الليث ـ بعد أن حفظ القرآن والأحاديث ـ على حفظ الشعر العربي الذي قيل قبل نزول الوحي بالقرآن وخلال نزوله، ليدرك أسرار اللغة جميعا .

ومر عام وهو عاكف على درسه، يحفظ ويتأمل وينظر في روح كل نص حفظه .. وقد ترك لحيته لتكبرعسى أن يداري بكبر الحية صغر السن.! وأخذ يذيع مذهبه بين زملائه الطلاب في مواجهة أساتذته من أصحاب الحديث وأصحاب الرأي.

وكان عجبا أن يهتدي شاب في نحو السادسة عشرة من عمره إلى نظر مستقل بين أهل الحديث وأهل الرأي.! ولقد ناقش في ذلك أحد شيوخ الحلقات من أهل الحديث فنهره!

وناظر غيره فنهره جميعا، وألزموه التمسك بالحديث والعدول عن الرأي فقال: "تعلموا الحلم قبل العلم! وظل طوال حياته كلما جادل أهل الحديث يكرر عليهم هذا القول .. وأعجب به زملاؤه الطلاب، وبدأوا يلتفون حوله، وشجعته حماستهم له، وكلما زادوه تشجيعا، زاد عكوفا على العلم والنظر فيه .

وكان زملاؤه يلقون عليه المسائل، فيظل يمعن النظر حتى يجد جوابا وكانت إجاباته تبهرهم .. وما كان يعجل للإجابة بل يتريث لها.

وفي الحق أنه تألف قلوبهم بحسن آدابه، ودماثة خلقه، وسعة علمه .. وبكرمه! فإذا لاحظ فقر أحد زملائه وصله بالمال سرا، ولقد يلاحظ بقع الحبر على ثوب زميل آخر فيهديه ثوبا جديدا. وإن وجد فيهم من يبعد مسكنه عن جامع عمرو ويجهده السير إلى حلقات الدرس أهداه دابة .. ولكيلا يحرج المحتاج من زملائه كان يزعم لهم أنه يقدم للواحد منهم قرضا حسنا يرده عندما يكبر ويتكسب!

وأغراه زملاؤه بأن يتخذ لنفسه حلقة ولكنه تهيب أن يجلس مجلس الأستاذ. ولقد علم أحد أشياخه أن الناس يستفتونه، فيفتي، ويرضون عن فتياه .. فناداه الشيخ وشجعه على الإفتاء. ولكن الليث استحيا لأنه صغير السن.

ولكن الليث لم يجلس للإفتاء، وصمم على ألا يجلس حتى يبلغ من السن مبلغا يؤهله لذلك، وحتى يصل من العلم، واستقلال النظر إلى ما يقنع به فقهاء العرب والموالي على السواء.

ولقد أغراه ما سمعه من أستاذه عن الزهري بالسفر إليه ليتعلم منه ولكنه فوجئ بموت أبيه. عليه الآن أن ينهض بأمور الأسرة بعد أبيه. وأن يدير أمور ثروته الواسعة.

وبعد ثلاثة أعوام خرج الليث الى الحج والعمرة، وكان في العشرين من عمره، وزار المدينة بعد الحج .. وكان الفقهاء من كل الأمصار يجتمعون في الحج ثم في الحرم النبوي فيتبادلون الرأي .. وهناك بحث الليث عن شهاب الزهري ليجلس إليه .

والتقى به، وتلقى منه، وناظره، وطرح الليث عليه ما انتهى إليه من نظر، ووجد الليث في الزهري من عمق الفكر وسعة العلم ودقة الفهم ما لم يجد في أحد قط. فأكبره إكبارا شديدا حتى ليمسك له بالركاب.

وفي الحجاز التقى بعدد من فقهاء العصر من أهل السنة أهل الرأي على السواء، وجلس إليهم وفي حلقة ربيعة الرأي تعرف بمالك بن أنس.

وعاد الليث إلى مصر، واتصلت الرسائل بينه وبين مالك ودعاه لزيارة مصر ولكن مالك بن أنس لم يستطع.

وتعود الليث أن يزوره في المدينه كلما ذهب للحج أو العمرة وزيارة الحرم النبوي. وقد ظل الليث يصل مالك بن أنس بمائة دينار كل عام، وكتب مالك إليه أن عليه ديناراً، فأرسل إليه الليث خمسمائة دينار.

أما الليث فأخذ نفسه بالبحث عن الأحاديث التي تحض على مكارم الأخلاق والتي ترسم صورة المجتمع الفاضل الذي تسوده العدالة والمودة والرخاء، ويشعر الإنسان فيه بأنه أخ للإنسان.! وكان يجتمع فيه مع الناس في مجلس بجامع عمرو، في داره بالفسطاط أو بقريته قلقشندة، أو على ظهر السفينة وهو بين الفسطاط والإسكندرية .. في كل مكان كان يحدث الناس بهذه الأحاديث التي تدفعهم إلى الجهاد من أجل حياة أفضل والتي تحض على مكارم الأخلاق.

ظل الشيخ يعلم الناس، ويرعى أهل العلم ويتصدق على ذوي الحاجات، ويسدد الدين عمن يثقله الدين، ويعمر البيوت، ويحسن كما احسن الله إليه، ويعين الآخرين .. ولم ينقطع يوما عن حلقته في مسجد عمرو أو في بيته حتى بلغ الثانية والثمانين، وهو محتفظ بقوة البدن وصحوة الفكر. وأذن الله أن يتوفاه إليه فمرض أيامآ قلائل لم يرهق خلالها بمرضه أحدا. ثم جاءه أمر الله فتوفى في ليلة النصف من شعبان عام 175 هـ وكان قد ملأ الدنيا بحسن سرته بين الناس بالعلم والحكمة.

وشيعته جموع عديدة ما اجتمع بمدينة الفسطاط مثلها من قبل ولا من بعد!. قال طالب علم لأبيه وهما ينصرفان من جنازة الإمام الليث: يا أبت .. كان كل واحد من هؤلاء الناس صاحب الجنازة: فقال: ( يا بني .. كان عالما حسن العقل كثير الأفضال. يا بني لا ترى مثله أبدا ). قال عنه أحد الفقهاء: ( كان الليث أفقه من مالك ولكن الحظوة كانت لمالك ). ولقد حزن لفقد الإمام الليث بن سعد كل فقهاء عصره، وقال المسلمون في كل أقطار الأرض: ( ذهب سيد الفقهاء).

أما المصريون فقد بكوه أحر بكاء ولكنهم أضاعوه..! وذلك بأنهم لم يكتبوا تفسيره للقرآن أو الحديث ولا فقهه!

أما ما كتبه هو فقد عمل حساده من القضاة والولاة على إخفائه كما أخفى كتبه بعض المتعصبين.! وبعد وفاة الإمام الليث بأعوام جاء الإمام الشافعي إلى مصر يعيش فيها ويلتمس فقه الإمام الليث فلم يجد منه ما يريد.!

قال الشافعي: ( ما فاتني أحد فأسفت عليه كالليث بن سعد ) ونظر فيما بقى من أثاره فقال: ( الليث أفقه من مالك إلا أن قومه أضاعوه وتلاميذه لم يقوموا به).

رحم الله تعالى الإمام الجليل رحمة واسعة.