من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .. "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني لنفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت"

عبيدالله بن عبدالله بن عتبة

10/30/2008 1:09 pm 
عبيدالله بن عبدالله بن عتبة Bookmark and Share

أحد فقهاء المدينة السبعة، الذين كان يدور عليهم أمر الفتوى كان عالما فاضلا، فقيها تقيا، وكان شاعراً رقيقاً غزلا، ذا حس مرهف، وعاطفة جياشة، وخلق سمح، وكان إلي جانب هذا كله ثقة، كثير الحديث، وحسبه أنه أحد الفقهاء الذين يرجع إليهم أهل المدينة في معرفة أمور دينهم. وقد قيل عنه: لم يكن بعد الصحابة فقيه أشعر منه ولا شاعر أفقه منه، ذلك هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.

كان أبوه عبد الله رجلا صالحا. تولى بعض الأعمال لعمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ). فحمد سيرته. ولعبيد الله أخوان، هما عون، وعبد الرحمن، وقد اشتهر عون بالفقه والأدب والنسك. وكان وثيق الصلة بعمر بن عبد العزيز وله دالة عليه، وكان يدخل عليه في أي وقت يشاء. بلا إذن مسبق.

كان عبيد الله من فضلاء التابعين، وروي الحديث عن أبيه، وأرسل عن عم أبيه عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وأبي هريرة وابن عباس وعائشة، وابن عمر، وعثمان وسهل ابني حنيف، والنعمان بن بشير وأبي سعيد الخدري وأبي طلحة الأنصاري، وأبي واقد الليثي، وفاطمة بنت قيس، وزيد بن خالد، وعبد الرحمن بن عبد القارى، وأم القيس بنت محصن.

روي عنه أخوه عون بن عبد الله، ومحمد بن شهاب الزهري، وسعد بن إبراهيم، وأبو الزناد، وصالح بن كيسان وعراك بن مالك وموسى بن أبي عائشة.

كان عبيد الله ذا حافظة واعية حتى قال عن نفسه فيما يرويه ابن حجر: ما سمعت حديثا قط، ما شاء الله أن أعيه إلا وعيته. وكانت هذه المقدرة إلي جانب دينه وتقواه مؤهلات له أن يكون أحد فقهاء المدينة السبعة، وأن ينال احترام العلماء وتقديرهم له، وثناءهم عليه، سواء كانوا معاصرين له أو متأخرين عنه، وحتى أدهشت غزارة علمه رجلا مثل الزهري فقال عنه: كنت إذا لقيت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فكأنما أفجر به بحرا.

كانت صلة عبيد الله بعمر بن عبد العزيز وثيقة إذ كان معلمه، وله عليه من الدالة والحقوق ما للأستاذ على تلميذه، ولعل هذا هو سبب الإجلال والتقدير اللذين يبدوان في حديث عمر بن عبيد الله، حتى إنه لما ولى الخلافة قال: لو كان عبيد الله حيا ما صدرت إلا عن رأيه.

وتعود عبيد الله أن يمر بعمر من وقت لآخر، ولا يحول بينه وبين ذلك حارس ولا حاجب، ولكنه ذات يوم ذهب كعادته، إلا أن الحاجب لم يأذن له، ورد قائلا: إن عنده عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وهو مختل به، فما كاد يسمع ما قاله الحاجب، حتى انصرف مغضبا ظانا أن هذه تعليمات عمر، ولم يكد يستقر به المكان حتى بعث إلي عمر بهذه الأبيات الغاضبة:

وإني امرؤ من يصفني الود يلفني عزيز إخائي لا ينال مودتي ولولا اتقائي الله قلت قصيدة بها تنقض الأحلاس في كل منزل كفاني يسير إذ أراك بحاجتي تلاوذ بالأبواب مني مخافة الملامة ابن لي فكن مثلي أو ابتغ صاحبا وما يلبث الفتيان أن يتفرقوا وإن نزحت دار به دائم الوصل من الناس إلا مسلم كامل العقل تسير بها الركبان أبردها يغلي وينفي الكرى عنه بها صاحب الرحل كليل اللسان ما تمرو ما تحلى والإخلاف شر من البخل كمثلك إني تابع صاحبا مثلي إذا لم يؤلف روح شكل إلي شكل.

وقد اختلف ترتيب هذه الأبيات في بعض كتب الأخبار وهي تكشف عن مدى اعتزاز عبيد الله بنفسه، وحرصه على كرامته، ووقوفه من عمر بن عبد العزيز موقف الند، فليس معنى الولاية أن يحجب الأكابر عن بابه، أو أن ينتظر من عبيد الله أن يعود إليه بعد أن يرده حاجبه عن بابه.

كان عبيد الله في شبابه يستهويه الجمال، ويأسر فؤاده، ولا يرى بأسا من أن ينفث عن نفسه بمقطوعات يعبر فيها عن وجده وهواه، وما يعانيه من لوعات الهوى وحرقاته، على عادة الشعراء الغزليين، ولكن في عفة ورقة حاشية، وترفع عن هجر القول.

كان عبيد الله قد تزوج امرأة اسمها عثمة، وكان لها في قلبه مكانة لا تدانيها مكانة، فوقع بينهما بعض ما يوجب العتاب، ثم تطور الأمر حتى أنتهى بهما إلي الطلاق، ولكن حبها لم يطلق فؤاده، ولم ينله رقاده، فأسهر ليله، وأرق نهاره، ولم يستطع أن يكتم ما به من هواها، فانطلق شعره ينفث حرقات فؤاده، وما يلقاه من جراء ذلك الفراق الذي آلمه وأدمى قلبه.

كان عبيد الله رجلا ذا ذوق شاعري، وكان يطرب للحن الجميل، والصوت الآسر، وكان له إلمام بالموسيقى لأنها صنو الشعر وما الشعر إلا موسيقى سرت في الألفاظ فتغلغت في المشاعر والأحاسيس وكان عبيد الله مثل غيره من الفقهاء المشهورين، والعلماء الذين لهم قدم راسخة في حقل الشرع، وعرفوا باستقامة الدين، ونقاء الفطرة، وسماحة الخلق، وسعة الأفق في معالجة الأمور.

كان عبيد الله قد أصيب بعينيه في أخريات حياته ، ويبدو أن هذه الفترة التي فقد فيها بصره كانت شديدة الوقع على نفسه، إذا كانت حساسيته المفرطة تجعله يستشعر أن إخوة الأمس، قد ضيعوا حق الأخوة بعدما امتد به العمر، وفقد نور البصر، واختلف في وفاته رحمه الله بين سنوات 99،98،95،94 هـ فرحمه الله رحمة واسعة.