فتاوى مباشرة

خصصت دار الافتاء المصرية رقم الخدمة المجاني (107) من داخل مصر للإستعلام عن أي فتوى، حيث يمكن الاتصال علي هذا الرقم وطرح اي تساؤل لديك والحصول على رقم السؤال ثم الاتصال بعد ساعة واحدة وادخال رقم السؤال لسماع الإجابة.

 

التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بـها

11/23/2009 11:25 am 

 س: يُنْكِر بعض الناس على زُوَّار بيت الله الحرام تـمسكهم بأستار الكعبة وتشبثهم بـها، والتصاقهم بجدرانـها، ويقولون بأن هذا بدعة، أفتونا في هذه الـمسألة.

الجواب:

دار الافتاء المصرية:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد.. فالكعبة مفرد الكعاب، ومعناها في لغة العرب أحد معنيين أو كلاهما:

الـمعنى الأول: أن الكعبة سـميت كعبة؛ لأنـها مربعة، فكل بيت مربع فهو عند العرب كعبة، بخلاف أكثر بيوت العرب فكانت مدورة. قال ابن العربي: « سـميت كعبة لتربعها، قاله مجاهد وعكرمة ».

الـمعنى الثاني: أن الكعبة سـميت بذلك لبروزها وارتفاعها حِسًّا ومعنى، فكل شيء علا وارتفع فهو كعب.

والحق أن كلا الـمعنيين في الكعبة ظاهر وواضح، فهي مربعة في الشكل ومرتفعة عن الأرض، وهي مشرفة ومرتفعة في الـمنزلة.

والـمراد بالكعبة شرعًا: بيت الله، والقبلة، والـمسجد الحرام، وهي محلٌّ للإجلال والاحترام؛ لأن الله عزوجل جعلها بيتًا له، تشريفًا وتكريـمًا لـها.

وهي أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله عز وجل، قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}[آل عمران: 96].

وقد جعل الله ما حول مكة من جميع جهاتـها الأربع حرمًا آمنًا، تكريـمًا لبيته الحرام، وقد جعلها الله عز وجل قِبْلَةً للمسلمين يستقبلونـها في صلاتـهم خمس مرات، ولا يجوز لإنسان أن يستقبل غيرها، بل لو اتخذ قبلة غيرها عالـمًا متعمدًا لا تقبل صلاته، قال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] وقد جعل الله عز وجل عز وجل الطواف بالكعبة من خصائصها، فلا يطاف بشيء غيرالكعبة، قال تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}[الحج: 29].

والـمراد بالتعلُّق بأستار الكعبة: هو التشبث بـها والالتصاق بأركانـها وكسوتـها. والكسوة :هي ما يُتَّخذ من الثياب للستر والحلية.

وهذا التعلق يكون الـمراد منه هو الإلحاح في طلب الـمغفرة، وسؤال الأمان، كالـمذنب الـمتعلق بثياب من أذنب إليه، الـمتضرع إليه في عفوه عنه الـمظهر له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه.

وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق: « قال عبد الباري لأبي الفيض: ما معنى التعلق بأستار الكعبة؟ فقال: مَثلهُ مثل رجل بينه وبين صاحبه جناية، فهو يتعلق به ويستخذي له رجاء أن يهب له جرمه».

حكم التعلق بأستار الكعبة والتشبث بـها:

كان العرب قبل الإسلام إذا أراد أحد منهم أن يُؤَمِّن نفسه دخل الكعبة وتعلَّق بأستارها، ومـما يروى في هذا: لـما كان يوم فتح مكة أَمَّنَ النبي عليه السلام الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: « اقتلوهم وإن وجدتـموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح».

وقد ذكر الفقهاء حكم التشبث بالكعبة، وقالوا بأنه مندوب وهو من آداب الزيارة، قال السرخسي في الـمبسوط: « قال شيخنا الإمام رحمه الله تعالى: يستحب له أن يأتي الباب ويقبل العتبة، ويأتي الْمُلْتَزَمَ فيلتزمه ساعة يبكي، ويتشبث بأستار الكعبة ويلصق جسده بالجدار إن تَمَكَّن، ثم يأتي زمزم فيشرب من مائه، ثم يصب منه على بدنه ثم ينصرف، وهو يـمشي وراءه ووجهه إلى البيت متباكيًا متحسرًا على فوات البيت حتى يخرج من الـمسجد».

وقال صاحب (بدائع الصنائع) في بيان سُنن الحج: « وذكر الطحاوي في مختصره عن أبي حنيفة أنه إذا فرغ من طواف الصدر يأتي الـمقام فيصلي عنده ركعتين، ثم يأتي زمزم فيشرب من مائها، ويصب على وجهه ورأسه ثم يأتي الْمُلْتَزَمَ، وهو ما بين الحجرالأسود والباب فيضع صدره وجبهته عليه، ويتشبث بأستار الكعبة ويدعو ثم يرجع، وذكر في العيون كذلك، إلا أنه قال في آخره : ويستلم الحجر، ويكبر ثم يرجع».

وقال الزيلعي في تبيين الحقائق: « قال رحمه الله (والتزم الْمُلْتَزَمَ وتشبث بالأستار والتصق بالجدار) والْمُلْتَزَمُ هو: ما بين الباب والحجر الأسود، ويلزق صدره به، والتشبث: التعلق، والـمراد: بالأستار، أستار الكعبة، ويستحب له أن يأتي باب البيت أولًا ويُقبِّل العتبة ويدخل البيت حافيًا، ثم يأتي الْمُلْتَزَمَ فيضع صدره ووجهه عليه، ويتشبث بالأستار ساعة يتضرع إلى الله تعالى بالدعاء بـما أحب من أمور الدارين، ويقول: « اللهم هذا بيتك الذي جعلته مباركًا وهدى للعالـمين، اللهم كما هديتني له فتقبله مني، ولا تجعل هذا آخر العهد من بيتك وارزقني العود إليه حتى ترضى عني برحمتك يا أرحم الراحمين».

وينبغي له أن ينصرف، وهو يـمشي وراء وبصره إلى البيت متباكيًا متحسرًا على فراق البيت حتى يخرج من الـمسجد وفي ذلك إجلال البيت وتعظيمه، وهو واجب التعظيم بكل ما يقدرعليه البشر والعادة جارية به في تعظيم الأكابر والـمنكر لذلك مكابر وهذا تـمام الحج».

وقال الإمام الغزالي: « وأما التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالْمُلْتَزَمِ، فلتكن نيتك في الالتزام طلب القرب حبًّا وشوقًا للبيت ولرب البيت، وتبركًا بالـمماسة، ورجاء للتحَصُّن عن النار في كل جزء من بدنك لا في البيت، ولتكن نيتك في التعلق بالستر الإلحاح في طلب الـمغفرة وسؤال الأمان، كالـمذنب الـمتعلق بثياب من أذنب إليه الـمتضرع إليه في عفوه عنه، الـمظهر له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه ولا مفزع له إلا كرمه وعفوه وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو وبذل الأمن في الـمستقبل».

وقال الجصاص: « ... ثم الإحرام والتجرد لله تعالى، والتشبه بالخارجين يوم النشورمن قبورهم إلى عرضة القيامة، ثم كثرة ذكر الله تعالى بالتلبية واللجأ إلى الله تعالى وإخلاص النية له عند ذلك البيت والتعلق بأستاره موقنًا بأنه لا ملجأ له غيره، كالغريق الـمتعلق بـما يرجو به النجاة وأنه لا خلاص له بالتمسك به، ثم إظهار التمسك بحبل الله الذي من تـمسك به نجا وما حاد عنه هلك».

وقال أحمد بن قدامة الـمقدسي: « واعلم: أن في كل واحد من أفعال الحج تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر... ومن ذلك: إذا رأى البيت الحرام استحضر عظمته في قلبه، وشكرالله تعالى على تبليغه رتبة الوافدين إليه، وليستشعر عظمة الطواف به فإنه صلاة، ويعتقد عند استلام الحجر أنه مبايع لله على طاعته، ويضم إلى ذلك عزيـمته على الوفاء بالبيعة، وليتذكر بالتعلق بأستارالكعبة والالتصاق بالْمُلْتَزَمِ لجأ الـمذنب إلى سيده وقرب الـمحب، وأنشد بعضهم في ذلك:

ستور بيتك نيل الأمن منك وقد علقتها مستجيرًا أيها الباري

وما أظنك لـما أن علقت بـها خـوفًـا من النـار تنـجينـي من النار

وها أنا جار بيت أنت قلت لنا حجوا إليه وقد أوصيت بالجار».

وعلى هذا فالتعلق بأستار الكعبة أو مس البيت والدعاء، كل ذلك من الأمور الـمندوبة باعتبار ما تحمله من معاني التبرك والإجلال والتعظيم، ولا ينبغي أن يترتب على هذا الحكم التفصيلي فوضى في التعامل مع الكعبة، مـما يعد إساءة واستهانة بذلك البيت الـمقدس، كما أنه يجوز للقائمين على أمر الـمسجد الحرام تنظيم ذلك الأمر، وإن وصل إلى منعه خشية على كسوة الكعبة من التمزيق وحسمًا لتلك الفوضى، ولكن لا يكون منع ذلك بادِّعاء حرمة نفس الفعل أو كونه شركًا. والله تعالى أعلى وأعلم.