من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .. "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني لنفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت"

العمل الخيري

6/30/2009 5:28 am 
العمل الخيري Bookmark and Share

من الأخطاء الشائعة أن العمل الخيري الإسلامي مرادف للعمل الإغاثي المؤقت‏,‏ أو مقصور علي المساعدات العينية أو النقدية التي يقدمها المحسنون لذوي الخصاصة في أوقات الكربات وعند اشتداد الأزمات‏.‏

وهذا الفهم خاطيء‏,‏ بالرغم من أن الإغاثة والمساعدة العينية والنقدية للمحتاجين من العجزة أو المأزومين والملهوفين هي من أهداف العمل الخيري الإسلامي‏.‏

ولكن للخير في المرجعية الإسلامية مقاصد أخري أعم وأشمل‏,‏ وأكثر تأثيرا في الحياة الاجتماعية‏.‏

إذا سلكنا مسالك استنباط المقاصد العامة للشريعة التي قررها المقاصديون بحثا عن موقع العمل الخيري من هذه المقاصد‏,‏ فسنجد أن العمل الخيري مقصد عام وثابت من مقاصد الشريعة‏,‏ بدلالة كثرة الأمر به والحض عليه ومدح فاعليه‏,‏ والتحذير من مناوئيه في كثير من آيات الكتاب العزيز‏,‏ وأحاديث النبي الكريم صلي الله عليه وسلم‏.‏ وقد ورد لفظ الخير‏180‏ مرة في القرآن الكريم‏.

‏ وورد لفظ أخيار‏,‏ و خيرات‏,‏ و خيرة‏8‏ مرات في سياقات متنوعة تربط الخير بجوانب أساسية من الحياة المدنية التي يعيشها الناس وفي مقدمتها‏:‏ العلم‏,‏ والعمل‏,‏ والكفاءة والقدرة‏,‏ والعدالة‏,‏ والأمانة‏,‏ والإنفاق‏,‏ كما ورد في بعض الحالات ضمن سياقات‏(‏ أقل عددا‏)‏ تربطه بالحياة الآخرة‏.‏

وغير ذلك من المناسبات الأخري التي يفيد اطراد ورود الأمر بعمل الخير فيها‏,‏ والحض عليه‏,‏ والثناء علي من يقومون به‏,‏ أن العمل الخيري مقصدا عاما وثابتا ـ من مقاصد الشريعة الغراء‏.‏

وليس العمل الخيري مقصدا عاما وثابتا للشريعة فقط‏,‏ وإنما له مقاصد أخري تتمثل في الآتي‏:‏

ـ تعزيز الحرية‏.‏ ويعزز العمل الخيري الحرية بأن توجه التبرعات والأوقاف الجديدة لدعم الجمعيات والأحزاب والصحف والمفكرين والحركات الاجتماعية التي تنادي بالحرية وتدافع عنها‏,‏ حتي يتوافر لهذه الجهات التمويل المستقل‏,‏ ويحميها من خطر التمويل الأجنبي الذي يهدد الحرية والاستقلالية علي كل المستويات‏.‏

ـ المشاركة في التمدين وإعمار الأرض‏,‏ ويكون ذلك بتخصيص التبرعات والأوقاف وأعمال التطوع نحو مشروعات إنمائية منتجة‏,‏ في مجالات الزراعة والتصنيع والبناء والمحافظة علي البيئة‏.‏

ـ السلم الأهلي‏,‏ ويعززه العمل الخيري كلما اتسع نطاقه‏,‏ وكلما شعر ذوو الحاجة والفقر بأن القادرين وذوو الثراء في عونهم عبر دعمهم للمؤسسات الخدمية والصحية والتعليمية‏,‏ وغيرها من المؤسسات والمشروعات التي تسهم في توفير الحاجات الأساسية‏,‏ فغياب مثل هذه الحاجات عن قطاعات من المجتمع يتسبب في عدم الاستقرار‏,‏ والفتن‏,‏ وغياب السلم الأهلي‏.‏

ـ محاربة الفقر‏,‏ وذلك بتقديم معونات الخير للفقراء خاصة في صورة نقدية‏,‏ وعينية‏,‏ وتأهيلية بالتدريب وإكساب مهارات العمل والكسب‏,‏ وتعليمية تفتح أبواب الحراك الاجتماعي أمام أبناء الفقراء لحياة أفضل‏.‏

ـ الإسهام في بناء المجال العام والمشاركة الإيجابية‏.‏ فأعمال الخير تمتد إلي المساحات المشتركة بين أصحاب الأفكار والرؤي والمصالح المختلفة‏,‏ وتنشئ بينها روابط تعاون‏,‏ وتحد من نزعات الصراع والتناحر التي تصاحب اختلاف المصالح‏.‏ يسهم العمل الخيري في التدريب علي تحمل أعباء الشأن العام‏,‏ ويدفع الأفراد والجماعات للخروج من ضيق مصالحها الذاتية إلي سعة مصالح المجتمع كله‏.‏

إن عمل الخير يطرح في النفس الارتياح والطمأنينة‏,‏ ويطرح في المجتمع الاستقرار والسكينة‏,‏ ويجعله مهيأ لعيشة هنيئة‏,‏ ولحياة أفضل‏,‏ ويجعله مكانا يسمح للناس بالإبداع والابتكار‏,‏ والقيام بالمبادرات التي تستهدف تحسين نوعية الحياة والتغلب علي مشكلاتها‏,‏ والإسهام في سعادة أهلها‏.‏

ويرتبط العمل الخيري الإسلامي بمفهوم الحرية بأوثق رباط‏,‏ فالعمل الخيري عندما يكون عطاء بلا مقابل مادي هو تحرير للنفس إما من قيد الأثرة وحب التملك‏,‏ أو من قيود الآثام واجتراح الخطايا‏,‏ أو من قيد الكبر واستعلاء النفس علي الآخرين ممن يشاركونها الانتماء إلي أصل واحد كلكم لآدم وآدم من تراب‏.‏

د‏.‏ إبراهيم البيومي غانم